ابن يعقوب المغربي

212

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

بالوجه إلا نادرا أو لم يتصور أصلا امتنع الانتقال بسرعة عند روم التشبيه بذلك الوجه إلى المشبه به ، وإذا امتنع الانتقال بسرعة لم يكن التشبيه مبتذلا ، وذلك لما هو ظاهر من أن ما يحصل الانتقال فيه بسرعة لظهوره لذاته تشارك فيه العامة والخاصة ، وما لا سرعة فيه لعدم ظهوره لذاته تختص به الخاصة فلا يكون مبتذلا ، وقد تقدم نحو هذا غير ما مرة ، ثم ندرة حضور المشبه به ( إما ) أن تحصل ( عند حضور المشبه ) وذلك ( لبعد المناسبة ) بين المشبه والمشبه به لكونهما من جنسين بعيدى الالتقاء في مكان واحد ، فإنه أخص في الذهن من معنى تسارعت النفس إلى استحضار ما يعتاد تلاقيه معه في المعاني وما تألف اجتماعه معه في المتخيلة لتقارنهما فيها كما تقارنا خارجه ، أو يزاحم ذلك الحاضر المعتاد غيره فلا ينتقل الذهن إلى ذلك الغير إلا بعد الاتساع في الأفكار فتنتفى سرعة الانتقال الموجبة للابتذال فيكون التشبيه غريبا ، وذلك ( كما مر ) أي : كالتشبيه الذي مر في قوله " 1 " : ولا زوردية تزهو بزرقتها * بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها * أوائل النار في أطراف كبريت فإن لا زوردية وهي البنفسجة شبهت بالنار في أطراف الكبريت ، ومعلوم أن الذي ينتقل إليه بسرعة عند حضورها هي الأزهار والرياحين التي هي من جنسها لا النار في أطراف الكبريت وإن كانت بنفسها كثيرة الوقوع ، وقد تقدم تحقيق ما في هذا التشبيه ، ولما كان الانتقال من البنفسج إلى النار المذكورة بعد التأمل والاتساع في المدارك كان التشبيه غريبا ، فإن قيل لعل الشاعر حضرا عنده حال التشبيه فلا يكون الانتقال غير سريع ، فيكون التشبيه غير غريب بالنسبة إليه ، ( قلت ) المراد ببعد الانتقال الموجب للغرابة أن يكون الشأن كذلك في الشيء ولو اتفق الانتقال بسرعة لعارض ،

--> ( 1 ) البيتان لابن المعتز ، أوردهما في التبيان ( 1 / 273 ) بتحقيق د . عبد الحميد هنداوى ، والعلوي في الطراز ( 1 / 267 ) ، واللازوردية : البنفسجة نسبة إلى اللازورد ، وهو حجر نفيس ، وعقود الجمان ( 2 / 21 ) .